الولايات المتحدة الأمريكية ومتلازمة الإمبراطورية المتأخرة: نحو الانحلال السياسي؟
منذ استقلالها عام ١٧٧٦، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتشكيل ثقافة سياسية متجذرة في مبدأ "مناهضة الملكية". وقد تم إنشاء مؤسسات مثل الكونغرس والمحكمة العليا بهدف ضمان نظام الفصل بين السلطات والضوابط والتوازنات لمنع ظهور قادة سلطويين. إن تاريخها واضح—فالولايات المتحدة نشأت من خلال النضال ضد حكم الملك البريطاني، حيث ارتبطت الملكية في كثير من الأحيان بالاستبداد والاضطهاد.
رفض أول رئيس للولايات المتحدة، جورج واشنطن، اقتراح أن يكون قائداً مدى الحياة، على الرغم من أن صديقه ألكسندر هاملتون قد طرح مفهوماً مشابهاً للملك بلا تاج. ومن خلال وضع سابقة للالتزام بفترتين رئاسيتين فقط، عزز واشنطن تقليداً استمر احترامه لأكثر من قرن. ومع ذلك، فقد خرق فرانكلين د. روزفلت هذه القاعدة بشغله المنصب لأربع فترات رئاسية، قبل أن يقر الكونغرس التعديل الثاني والعشرين للدستور الأمريكي، والذي حدد الرئاسة بفترتين فقط.
واليوم، مع عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى الساحة السياسية، يتجدد الجدل حول إمكانية تعديل هذا النظام. وعلى الرغم من أن الدستور يضع حداً واضحاً للفترات الرئاسية، إلا أن ترامب وحلفاءه باتوا أكثر عدوانية في تحدي المؤسسات الوطنية. ونظراً لنفوذه الكبير في الكونغرس والمحكمة العليا، فإن التساؤل حول إمكانية التغيير من خلال الإرادة السياسية ليس بالأمر المستحيل.
تعكس هذه الديناميكية ظاهرة تاريخية كثيراً ما نوقشت في الفكر السياسي، وهي متلازمة الإمبراطورية المتأخرة. فقد قارن بعض المؤرخين والمنظرين السياسيين وضع الولايات المتحدة اليوم بالمرحلة الأخيرة من الجمهورية الرومانية. وكما هو الحال مع الولايات المتحدة، فقد تبنت روما نظاماً جمهورياً يهدف إلى تقييد سلطة الأفراد. ومع ذلك، أدى الانحلال السياسي وسخط الشعب تجاه نخبة سياسية فاسدة بشكل متزايد إلى صعود زعيم شعبوي—يوليوس قيصر—الذي أحدث تغييراً جذرياً بإنهاء النظام الجمهوري وإقامة إمبراطورية.
وعلى الرغم من أن ترامب ليس قائداً عسكرياً مثل قيصر، فإنه يلعب دوراً محورياً في إذكاء حركة شعبوية تتحدى النظام القائم. لقد أصبح صوتاً لأولئك الذين فقدوا ثقتهم في السياسة المعتدلة والنظام المؤسسي الخاضع لهيمنة النخبة المثقفة. ويكشف هذا الاتجاه عن تصاعد رغبة الجماهير في زعيم صريح، قادر على تجاوز القيود المؤسسية، وأكثر قرباً منهم—وهو نمط تكرر في العديد من مراحل انهيار الجمهوريات عبر التاريخ.
فما الذي سيحدث للولايات المتحدة خلال العقود القادمة؟ إن انهيار أي قوة عظمى لا يحدث فجأة، بل هو عملية تمر عبر مراحل متعددة من عدم الاستقرار الداخلي والخارجي. وإذا استمر هذا الانحلال، فإن احتمال ظهور "قيصر أمريكي" لا يمكن استبعاده.
ورغم أن البعض ينظر إلى تراجع الولايات المتحدة على أنه تطور إيجابي، لا سيما أولئك الذين يرون أنها لطالما هيمنت على السياسة العالمية من خلال سياسات خارجية عدوانية، إلا أنه من الضروري إدراك أن الفراغ في السلطة لا وجود له في السياسة الدولية. فإذا انهارت الهيمنة الأمريكية، ستبرز قوة جديدة، وقد تكون تداعيات ذلك على الساحة العالمية أكثر تعقيداً مما يتوقعه الكثيرون.
Comments
Post a Comment